ابن الجوزي
330
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
ألفيت بيني وبين الحب معرفة فليس ينفذ حتى ينفذ الأبد وليس لي مسعد فامنن عليّ به فقد بليت وقد أضناني الكمد قال : فخرج أبو السائب خلفه وقال : قف يا حبيب فقد أجبت دعوتك ، [ أنا مسعدك ] [ 1 ] ، أين تريد ؟ قال : خيام السعف من وادي العرج ، فأصابتهما سماء شديدة ، فجعل أبو السائب يقرأ : * ( ( فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ في سَبِيلِ الله وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَالله يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ) 3 : 146 ) * [ 2 ] فرجع إلى منزله وقد كادت نفسه تتلف ، فدخل عليه أصحابه ، فقالوا له : يا أبا السائب ، ما الَّذي تصنع بنفسك ؟ قال : إليكم عني ، فإنّي مشيت في مكرمة ، وأحببت مسلما ، والمحسن معان . قال مؤلف الكتاب [ 3 ] : والأخبار عنه في هذا المعنى كثيرة حتى أن ابنه أنشده بيتين وقد اجتمع أهل الدار على المائدة ، فقال له : أمك طالق إن تعشينا ولا تسحرنا إلا بهذين البيتين [ فرفعوا الطعام وجعلوا يرددون البيتين ] [ 4 ] ، ثم أيقظهم سحرا فأنشدوه . وجاز على حداد [ 5 ] ، وهو ينشد ، فحلف لينفخن له بمنفاخه ، فجلس ينفخ وذلك ينشده إلى المغرب . وروى عبد الرحمن [ 6 ] المدائني قال : حدّثنا أبو عثمان المازني ، قال : صام أبو السائب المخزومي يوما ، فلما صلى المغرب وقدمت مائدته خطر بقلبه بيت لجرير : إن الذين غدوا بقلبك غادروا وشلا بعينك ما يزال معينا غيضن من عبراتهن وقلن لي ما ذا لقيت من الهوى ولقينا فقال : كل امرأة له طالق وكل مملوك له حرّ إن أفطر الليلة إلا على هذين البيتين . أخبرنا المبارك بن علي بإسناد له عن عبد الملك بن عبد العزيز ، قال : قال لي أبو
--> [ 1 ] ما بين المعقوفتين : ساقط من الأصل ، أوردناه من ت . [ 2 ] سورة : آل عمران ، الآية : 146 . [ 3 ] في ت : « قال المصنف » . [ 4 ] ما بين المعقوفتين : من ت . [ 5 ] في ت : « على صائغ » . [ 6 ] في الأصل : « وعن عبد الرحمن » . وما أوردناه من ت .